الرئيسية / آراء / اتصال اليهود بنابليون بونابرت

اتصال اليهود بنابليون بونابرت

إن التذكير باتصال اليهود بنابليون ذو أهمية بالغة في السنوات الأخيرة إذ أننا منذ فترة نرى كتابات ممن يُسمون بالمستنيرين تُبعث من جديد، ويروج لها بين المسلمين، وكما هو معلوم أنها تحوي – فيما تحويه – تمجيداً لحملة نابليون على مصر بصفتها كما يزعمون السبب الأكبر في انبعاث نهضتنا الحديثة.

فنابليون عند هؤلاء تصريحًا أو تلميحًا هو الذي أنهض الشرق بعد طول رقاد، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا نعيش في زمن أفصح فيه النصارى، ممثلين بكنيسة روما واليهود في فلسطين المحتلة، عن تعاونهم بشكل مكشوف بتوقيع اتفاقية رسمية نشرت أمام أنظار العالم قبل سنوات، وعدَّها وزير الخارجية اليهودي حينها أكبر إنجاز لدولة إسرائيل منذ قيامها.

ونحن نعلم أن الولاية بين اليهود والنصارى، والتناصر فيما بينهم، وتعاونهم ضد الأمة المسلمة سنة ربانية لا تتغير بمرور السنين ولا تتبدل بتوالي الأيام، وإن كانت تخبو في فترات، وتتجلى كالشمس في فترات أخرى قال تعالى [المائدة: 51]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} فالتعاون بين المغضوب عليهم والضالين -سواء المعلن عنه أو المستتر لضرب الإسلام وأهله له شواهده السافرة عبر تاريخنا الإسلامي الطويل منها: ما حصل أيام الحملة الفرنسية على مصر لقد تعود اليهود -على مدى تاريخهم- على استغلال الأحداث، وعطفها لصالحهم، وليس كما يقال إنهم -دومًا- هم الذين يصنعون الأحداث، ويخططون لها، فهم -مثلاً- استفادوا من الثورة الفرنسية، ووظفوها لرفع كاهل الاستعباد عنهم الذي طالما أرهقهم عسرًا.

فشعار الحرية والمساواة والإخاء الذي رفعه المتظاهرون الفرنسيون خدم اليهود بالذات، فأصبح لهذا الشعار مفهوم خاص عندهم جدوا في تعميمه فالحرية استغلوها في كسر التقاليد، ونبذ الأخلاق، والخروج عن المعهود من الحشمة والحياء.

أما المساواة والإخاء فنظروا إليها على أنها وسيلة لهم للتسرب إلى أجهزة الدولة ومرافقها المختلفة ثم التساوي مع غيرهم في العلم بها، ومن ثم تخلصهم من سبة الاحتقار وموجة الازدراء التي كانت تلاحقهم أينما حلُّوا في هذه المعمورة ولقد كان مفكرو اليهود أيام الثورة الفرنسية وبُعَيْدها يتناقلون الأحاديث فيما بينهم عن مستقبل بني جلدتهم، ويتداولون الآراء والمشروعات حول عودتهم إلى الأرض التي اعتقدوا أن أنبياءهم بشروهم بالعودة إليها، مثال ذلك ما عرضه بهذا الشأن البرنس دي لينيه في سنة 1212هـ – 1797م على إمبراطور النمسا ثم إنه لما نزل نابليون سواحل مصر في (محرم 1213هـ- يوليو 1798م) واتجه صوب بلاد الشام لاحتلالها في شهر رمضان من السنة نفسها فبراير 1799م أطل اليهود برءوسهم وسعوا لاستثمار هذا التحرك الفرنسي لصالحهم.

ففي 17 فبراير 1799م عرض توماس كوربت الضابط في الجيش الفرنسي على عضو حكومة نابليون المسيو بول باراراس Paul Bararas مشروعًا يقترح فيه الاستفادة من اليهود في تحركات نابليون في بلاد الشام، فدعاه -في ذلك المشروع- إلى أن يتصل بكبار اليهود، ويثير في نفوسهم تحقيق تلك الأمنية التي ما برحوا يأملون تحقيقها، ألا وهي اجتماع شتاتهم في فلسطين ومن ثم يطلب منهم جمع الأموال لابتياع الأراضي هناك من فرنسا، فضلاً عن تجهيز المراكب البحرية، والتدريب العسكري للشباب اليهود للاشتراك في حروب نابليون الشامية ثم يعود كوربت مرة أخرى في خطابهِ الذي يحمل تفاصيل المشروع إلى باراراس -ليؤكد أهمية الاستعانة باليهود في مخططات نابليون في الشرق، إذ يرى أن مصالح فرنسا تتفق تمامًا مع مصالح اليهود في المنطقة, فأموال اليهود -حسب قوله- ستنشط التجارة بين أوربا وآسيا.

كما أن اليهود أنفسهم سيوفرون لفرنسا عنصرًا بشريًّا مواليًا يرسخ استعمارها لمصر وبلاد الشام؛ لأنه ليس من المعقول أن يهاجر الفرنسيون إلى تلك البلاد البعيدة ويُخلون وطنهم الأصلي فرنسا، بل إنه أشار إلى أن اليهود سيقدمون أهم الضمانات لبث الفوضى وإشعال الفتن في إمبراطورية العثمانيين بادر باراراس بإيصال مشروع كوربت إلى نابليون الذي استصوب الفكرة واستعان بعلماء يهود مثل فنتور أستاذ اللغات الشرقية بجامعة باريس والمتبحر باللغة العبرية الذي صاغ نداءً إلى اليهود استوحاه من مقترحات كوربت، فأشار فيه إلى أن فرنسا رغم الصعوبات التي تواجهها فهي بحكم رسالتها لدفع الظلم عن الشعوب فإنها مصممة على تقديم مهد إسرائيل لليهود.

ومما جاء في هذا النداء: “يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن فرنسا تناديكم الآن للعمل على إعادة احتلال وطنكم، واسترجاع ما فُقد منكم.. أسرعوا فإن هذه اللحظة لن تعوض قبل آلاف السنين، للمطالبة باسترجاع حقوقكم المدنية بين شعوب العالم”.

Print this pageShare on Facebook0Email this to someoneShare on Google+0Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn0

عن أشرف شتيوي

أشرف شتيوي

شاهد أيضاً

ننشر القصة الكاملة لـ”سارق الشوكولاتة”

شاب لا زال بعد في عقده الثاني، يدعى حسام الدين مسعد، يعاني من اضطرابات عقلية، …

“شتيوي” رئيس تحرير تنفيذي لجريدة “الديار””

قرر مجلس إدارة شركة المستقبل للطباعة والنشر (جريدة الديار) تعيين الأستاذ أشرف فتحي شتيوى، رئيسا …

أضف تعليقاً